محمد بن علي البلنسي
197
تفسير مبهمات القرآن ( صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الاعلام والتكميل )
ذلك محرما ، ثم أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبكي ويلوم نفسه ، فنزلت الآية . واللّه أعلم . فائدة : قال الشيخ أبو عبد اللّه بن عسكر « 1 » : « وفي هذه الآية مسألة ، وهي قوله تعالى : مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، وليس للفجر خيط أسود ، وإنما الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ من الليل . والجواب : إن قوله تعالى : مِنَ الْفَجْرِ متصل بقوله الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ، ومعنى الآية : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من / الليل ، لكن حذف « من الليل » لدلالة الكلام عليه ، ولوقوع مِنَ [ 19 / ب ] الْفَجْرِ في موضعه لأنه لا يصح أن يكون مِنَ الْفَجْرِ متعلقا بالخيط الأسود ، ولو وقع مِنَ الْفَجْرِ في موضعه متصلا ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ لضعفت الدلالة على المحذوف ، وهو مِنَ اللَّيْلِ * فحذف مِنَ اللَّيْلِ * للاختصار ، وأخّر مِنَ الْفَجْرِ للدلالة عليه . وهذا يشبه قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ . . . « 2 » ، والتشبيه ليس هوبين الَّذِينَ كَفَرُوا وبين الَّذِي يَنْعِقُ لأن « الناعق » هو الذي يصيح بالغنم ، فوجه التشبيه إنما هو أن يشبه الداعي الذي يدعو الكفار وهم لا يفهمونه ولا يعرفون قوله بالناعق الذي ينعق بالغنم وهي لا تفهم قوله ، ولا يحصل لها منه أكثر من سماع صوته ، من غير فهم ولا استبصار ، فيكون على هذا قد حذف المشبه لدلالة المشبه به عليه ، ويكون تقدير الكلام : « ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق » ويحتمل أن يكون المشبه هو الباقي ، والمشبه به محذوف ، ويكون تقدير الكلام : « ومثل الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق » ، فعلى هذا كله لا بد من حذف يدل عليه الباقي ، لأنه لا يصح التشبيه إلا به ، ومثل هذا قول الشاعر « 3 » :
--> وأخرج الواحدي في أسباب النزول : 45 عن البراء بن عازب أن هذه الآية نزلت في قيس بن صرمة ، وعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما . ( 1 ) التكميل والإتمام : 8 ب . ( 2 ) سورة البقرة : آية : 171 . ( 3 ) هو أبو صخر الهذلي ، والبيت له في خزانة الأدب : 3 / 254 .